فصل: 235- المراد بالتوفيق والتسديد عندهم:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (نسخة منقحة)



.232- هل يقال: هدى الله الكافرين أم لا؟

اختلفت المعتزلة: هل يقال أن الله- سبحانه!- هدى الكافرين أم لا على مقالتين:
1- فقال أكثر المعتزلة: إن الله هدى الكافرين فلم يهتدوا ونفعهم بأن قواهم على الطاعة فلم ينتفعوا وأصلحهم فلم يصلحوا.
2- وقال قائلون: لا نقول أن الله هدى الكافرين على وجه من الوجوه بأن بين لهم ودلهم لأن بيان الله ودعاءه هدى لمن قبل دون من لم يقبل كما أن دعاء إبليس إضلال لمن قبل دون من لم يقبل.
3- وقال أهل الإثبات: لو هدى الله الكافرين لاهتدوا فلما لم يهدهم لم يهتدوا وقد يهديهم بأن يقويهم على الهدى فتسمى القدرة على الهدى هدى وقد يهديهم بأن يخلق هداهم.

.233- ما الهدى الذي يفعله الله بالمؤمنين؟

واختلف الذين قالوا: (إن الله هدى الكافرين بأن بين لهم ودلهم) و (إن هذا هو الهدى العام)، في الهدى الذي يفعله بالمؤمنين دون الكافرين على مقالتين:
1- فقال قائلون: قد نقول أن الله هدى المؤمنين بأن سماهم مهتدين وحكم لهم بذلك وقالوا: ما يزيد الله المؤمنين بإيمانهم من الفوائد والألطاف هو هدى كما قال: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً} [محمد: 17].
2- وقال قائلون: لا نقول أن الله هدى بأن سمى وحكم ولكن نقول هدى الخلق أجمعين بأن دلهم وبين لهم وأنه هدى المؤمنين بما يزيدهم من ألطافه وذلك ثواب يفعله بهم في الدنيا وأنه يهديهم في الآخرة إلى الجنة وذلك ثواب من الله- سبحانه!- لهم كما قال: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [يونس: 9] هذا قول الجبائي.
وزعم إبراهيم النظام أنه قد يجوز أن يسمى طاعة المؤمنين وإيمانهم بالهدى وبأنه هدى الله فيقال: (هذا هدى الله) أي دينه.
القول في الإضلال:

.234- المراد بالإضلال عندهم:

اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقاويل:
1- فقال أكثر المعتزلة: معنى الضلال من الله يحتمل أن يكون التسمية لهم والحكم بأنهم ضالون ويحتمل أن يكون لما ضلوا عن أمر الله- سبحانه!- أخبر أنه أضلهم أي أنهم ضلوا عن دينه ويحتمل أن يكون الإضلال هو ترك إحداث اللطف والتسديد والتأييد الذي يفعله الله بالمؤمنين فيكون ترك ذلك إضلالًا ويكون الإضلال فعلًا حادثًا ويحتمل أن يكون لما وجدهم ضلالًا أخبر أنه أضلهم كما يقال: (أجبن فلان فلانًا) إذا وجده جبانًا.
2- وقال بعضهم: إضلال الله الكافرين هو إهلاكه إياهم وهو عقوبة منه لهم واعتل بقول الله-عز وجل-: {فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ} [القمر: 47] والسعر سعر النار وبقوله: {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} [السجدة: 10] أي هلكنا وتفرقت أجزاؤنا.
3- وقال أهل الإثبات أقاويل: قال بعضهم: الإضلال عن الدين قوة على الكفر وقال بعضهم: الإضلال عن الدين هو الترك هذا قول الكوساني وقال بعضهم: معنى أضلهم أي خلق ضلالهم.
وامتنعت المعتزلة أن تقول إن الله- سبحانه!- أضل عن الدين أحدًا من خلقه.
القول في التوفيق والتسديد:

.235- المراد بالتوفيق والتسديد عندهم:

اختلفوا في التوفيق والتسديد على أربعة أقاويل:
1- فقال قائلون: التوفيق من الله- سبحانه!- ثواب يفعله مع إيمان العبد ولا يقال للكافر موفق وكذلك التسديد.
2- وقال قائلون: التوفيق هو الحكم من الله أن الإنسان موفق وكذلك التسديد.
3- وقال جعفر بن حرب: التوفيق والتسديد لطفان من ألطاف الله- سبحانه!- لا يوجبان الطاعة في العبد ولا يضطرانه إليها فإذا أتى الإنسان بالطاعة كان موفقًا مسددًا.
4- وقال الجبائي: التوفيق هو اللطف الذي في معلوم الله- سبحانه!- أنه إذا فعله وفق الإنسان للإيمان في الوقت فيكون ذلك اللطف توفيقًا لأن يؤمن وأن الكافر إذا فعل به اللطف الذي يوفق للإيمان في الوقت الثاني فهو موفق لأن يؤمن في الثاني ولو كان في هذا الوقت كافرًا وكذلك العصمة عنده لطف من ألطاف الله.
وقال أهل الإثبات: التوفيق هو قوة الإيمان وكذلك العصمة.
القول في العصمة:

.236- المراد بالعصمة عندهم:

اختلفوا في العصمة:
1- فقال بعضهم: العصمة من الله- سبحانه!- ثواب للمعتصمين.
2- وقال بعضهم: العصمة لطف من الله يفعله بالعبد فيكون به معتصمًا.
3- وقال بعضهم: العصمة على وجهين: أحدهما هو الدعاء والبيان والزجر والوعد والوعيد وقد فعله بالكافرين ولكن لا يطلق أنه معصوم ويقال أن الله عصمه فلم يعتصم والوجه الآخر ما يزيد الله المؤمنين بإيمانهم من الألطاف والأحكام والتأييد وقد يتفاضل الناس في العصمة ويكون ضرب من العصمة إذا آتاه بعض عبيده آمن طوعًا وإذا أعطاه غيره ازداد كفرًا وإذا منعه إياه أتى بكفر دون ذلك فيتفضل به على من يعلم أنه ينتفع ويمنعه من يعلم أنه يزداد كفرا.
قالوا: وقد يجوز أن يكون شيء صلاحًا لواحد ضررًا على غيره.
قالوا: وقد يعصم الله- سبحانه!- من الشيء باضطرار كالعصمة من قتل نبيه صلى الله عليه وسلم.
القول في النصرة والخذلان:

.237- معنى النصرة عندهم:

1- قالت المعتزلة: أن نصر الله المؤمنين قد يكون على معنى نصرهم بالحجة كما قال: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [غافر: 51] وقد تكون النصرة بمعنى أن يزلزل أقدام الكافرين ويرعب قلوبهم فينهزموا فيكون ناصرًا للمؤمنين عليهم وخاذلًا لهم بما طرحه من الرعب في قلوبهم فإن انهزم المؤمنون لم يكن ذلك بخذلان من الله- سبحانه!- لهم بل هم منصورون بالحجة على الكافرين وإن كانوا منهزمين.
2- وقال أهل الإثبات: النصر من الله ما يفعله ويقذفه في قلوب المؤمنين من الجرأة على الكافرين وقد تسمى القوة على الإيمان نصرًا.

.238- معنى الخذلان عندهم:

فأما الخذلان فإنهم اختلفوا فيه على ثلاثة أقاويل:
1- فقال بعضهم: الخذلان هو ترك الله- سبحانه!- أن يحدث من الألطاف والزيادات ما يفعله بالمؤمنين كنحو قوله: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً} [محمد: 17] فترك الله- سبحانه!- أن يفعل هو الخذلان من الله للكافرين.
2- وقال بعضهم: الخذلان من الله- سبحانه!- هو تسميته إياهم والحكم بأنهم مخذولون.
3- وقال بعضهم: الخذلان عقوبة من الله- سبحانه!- وهو ما يفعله بهم من العقوبات.
وقال أهل الإثبات قولين: قال بعضهم: الخذلان قوة الكفر وقال بعضهم: خذلهم أي خلق كفرهم.

.239- القول في الولاية والعداوة:

اختلفت المعتزلة في ذلك على مقالتين:
1- فقالت المعتزلة إلا بشر بن المعتمر وطوائف منهم: إن الولاية من الله- سبحانه!- للمؤمنين مع إيمانهم وكذلك عداوته للكافرين مع كفرهم والولاية عندهم الأحكام الشرعية والمدح وأحداث الألطاف والعداوة ضد ذلك وكذلك قالوا في الرضى والسخط.
2- وقال بشر بن المعتمر: الولاية والعداوة تكونان بعد حال الإيمان والكفر.
3- وقال قائلون منهم: الولاية مع الإيمان والعداوة مع الكفر وهما غير الأحكام والأسماء.
4- وقال غير المعتزلة: الولاية والعداوة من صفات الذات وكذلك الرضى والسخط.

.240- القول في الثواب في الدنيا:

اختلفت المعتزلة في ذلك على مقالتين:
1- فقال إبراهيم النظام: لا يكون الثواب إلا في الآخرة وإن ما يفعله الله- سبحانه!- بالمؤمنين في الدنيا من المحبة والولاية ليس بثواب لأنه إنما يفعله بهم ليزدادوا إيمانًا وليمتحنهم بالشكر عليه.
2- وقال سائر المعتزلة: أن الثواب قد يكون في الدنيا وأن ما يفعله الله- سبحانه!- من الولاية والرضى على المؤمنين فهو ثواب.

.241- الإيمان ما هو عند المعتزلة:

واختلفت المعتزلة في الإيمان ما هو؟ على ستة أقاويل:
1- فقال قائلون: الإيمان هو جميع الطاعات فرضها ونفلها وأن المعاصي على ضربين: منها صغائر ومنها كبائر وأن الكبائر على ضربين: منها ما هو كفر ومنها ما ليس بكفر وأن الناس يكفرون من ثلاثة أوجه: رجل شبه الله بخلقه ورجل جوره في حكمه أو كذبه في خبره ورجل رد ما أجمع المسلمون عليه عن نبيهم صلى الله عليه وسلم نصًا وتوقيفًا فأكفر هؤلاء من زعم أن البارئ جسم مؤلف محدود ولم يكفروا من سماه جسمًا ولم يعطه معاني الأجسام وأكفروا من زعم أن الله- سبحانه!- يرى كما ترى المرئيات بالمقابلة أو المحاذاة أو في مكان حالًا فيه دون مكان ولم يزعموا أنه يرى لا كالمرئيات وأكفروا من زعم أن الله خلق الجور وأراد السفه وكلف الزمنى والعجزة الذين فيهم العجز ثابت لأن هؤلاء بزعمهم سفهوا الله وجوروه ولم يكفروا من قصد إلى قادر على الفعل فقال قد كلفه الله- سبحانه!- وليس بقادر لأنه قد كذب على القادر عندهم فأخبر أنه ليس بقادر ولم يكذب على الله في تكليفه إياه ولا وصفه بالعبث عندهم والقائل بهذا القول هم أصحاب أبي الهذيل وإلى هذا القول كان يذهب أبو الهذيل.
وحكي عنه أن الصغائر تغفر لمن اجتنب الكبائر على طريق التفضل لا على طريق الاستحقاق.
وزعم أن الإيمان كله إيمان بالله منه ما تركه كفر ومنه ما تركه فسق ليس بكفر كالصلاة وصيام شهر رمضان ومنه ما تركه صغير ليس بفسق ولا كفر ومنه ما تركه ليس بكفر ولا بعصيان كالنوافل.
2- وقال هشام الفوطي: الإيمان جميع الطاعات فرضها ونفلها والإيمان على ضربين: إيمان بالله وإيمان لله ولا يقال أنه إيمان بالله فالإيمان بالله ما كان تركه كفرًا بالله والإيمان لله يكون تركه كفرًا ويكون تركه فسقًا ليس بكفر نحو الصلاة والزكاة فذلك إيمان لله فمن تركه على الاستحلال كفر ومن تركه على التحريم كان تركه فسقًا ليس بكفر ومما هو إيمان لله عند هشام ما يكون تركه صغيرًا ليس بفسق.
3- وقال عباد بن سليمان: الإيمان هو جميع ما أمر الله- سبحانه!- به من الفرض وما رغب فيه من النفل والإيمان على وجهين: إيمان بالله وهو ما كان تاركه أو تارك شيء منه كافرًا كالملة والتوحيد والإيمان لله إذا تركه تارك لم يكفر ومن ذلك ما يكون تركه ضلالًا وفسقًا ومنه ما يكون تركه صغيرًا وكل أفعال الجاهل بالله عنده كفر بالله.
4- وقال إبراهيم النظام: الإيمان اجتناب الكبائر والكبائر ما جاء فيه الوعيد وقد يجوز أن يكون فيما لم يجئ فيه الوعيد كبير عند الله ويجوز أن لا يكون فيه كبير وإن لم يكن فيه كبير فالإيمان اجتناب ما فيه الوعيد عندنا وعند الله- سبحانه!- وإن كان فيما لم يجئ فيه الوعيد كبير فالتسمية له بالإيمان وبأنه مؤمن يلزم باجتناب ما فيه الوعيد عندنا فأما عند الله- سبحانه!- فاجتناب كل كبير.
5- وقال آخرون: الإيمان اجتناب ما فيه الوعيد عندنا وعند الله وهو ما يلزم به الاسم وما سوى ذلك فصغير مغفور باجتناب الكبير.
6- وكان محمد بن عبد الوهاب الجبائي يزعم أن الإيمان لله هو جميع ما افترضه الله- سبحانه!- على عباده وأن النوافل ليس بإيمان وأن كل خصلة من الخصال التي افترضها الله- سبحانه!- فهي بعض إيمان لله وهي أيضًا إيمان بالله وأن الفاسق الملي مؤمن من أسماء اللغة بما فعله من الإيمان.
وكان يزعم أن الأسماء على ضربين: منها أسماء اللغة ومنها أسماء الدين فأسماء اللغة المشتقة من الأفعال تتقضى مع تقضي الأفعال وأسماء الدين يسمى بها الإنسان بعد تقضي فعله وفي حالة فعله فالفاسق الملي مؤمن من أسماء اللغة يتقضى الاسم عنه مع تقضي فعله للإيمان وليس يسمى بالإيمان من أسماء الدين. وكان يزعم أن في اليهودي إيمانًا نسميه به مؤمنًا مسلمًا من أسماء اللغة.
وكانت المعتزلة بأسرها قبله إلا الأصم تنكر أن يكون الفاسق مؤمنًا وتقول أن الفاسق ليس بمؤمن ولا كافر وتسميه منزلة بين المنزلتين وتقول: في الفاسق إيمان لا نسميه به مؤمنًا وفي اليهودي إيمان لا نسميه به مؤمنًا.
وكان الجبائي يزعم أن من الذنوب صغائر وكبائر وأن الصغائر يستحق غفرانها باجتناب الكبائر وأن الكبائر تحبط الثواب على الإيمان واجتناب الكبائر يحبط عقاب الصغائر.
وكان يزعم أن العزم على الكبير كبير والعزم على الصغير صغير والعزم على الكفر كفر.
وكذلك قول أبي الهذيل كان يقول في العازم: أنه كالمقدم عليه.
وقال أبو بكر الأصم: الإيمان جميع الطاعات ومن عمل كبيرًا ليس بكفر من أهل الملة فهو فاسق بفعله للكبير لا كافر ولا منافق مؤمن بتوحيده وما فعل من طاعته.
وزعمت المعتزلة أن الله سمى إيمانًا ما لم يكن في اللغة إيمانًا.